الاثنين، 13 فبراير 2017

التذكر و النسيان في مدخل الى علم النفس / د. لؤي زعول

مدخل الى علم النفس                  جامعة الخليل                          د. لـؤي زعـول
التذكر والنسيان:
للذاكرة دور مهم جداً في مختلف الأنشطة السلوكية التي يؤديها الإنسان وهي تجسد الاحتفاظ او تثبيت المعلومات بالذاكرة في معناها الواسع، فبدون الذاكرة لن يحدث التعلم، ويصبح عقل الإنسان كالصفحة البيضاء تمر عليه الأحداث دون أن تترك أثر فيه، وكأنه يتعرض لها لأول مرة. ويعني هذا إعاقة قدرة الإنسان على التكيف مع البيئة، سواء كان هذا فيما يتصل بتكوين الشخصية، أو بناء العمليات المعرفية، فكلما كانت الذاكرة أكثر قوة وفاعلية، كلما تمكن الانسان من الاستفادة من الخبرات التي يتعرض لها، وكلما أمكنه توظيف هذه الخبرات في الإنشطة المستقبلية.
تعريف الذاكرة:
" هي تلك المنظومة التي تحدث من خلالها عمليات الاحتفاظ او التخزين والترميز والاسترجاع للمعلومات والاستعادة لها بصورتها الأصلية ". وتشترك تعريفات الذاكرة، رغم تعددها، بالتالي:
         توصف الذاكرة بأنها نشاط عقلي معرفي.
         تضم الذاكرة عدد من المستويات (مباشرة، قصيرة، طويلة).
         تتضمن الذاكرة عدد من عمليات المعالجة (الترميز، التخزين او الاحتفاظ، الاسترجاع).
         تتحدد دقة التذكر في ضوء مدى التطابق بين كل من المعلومات المسترجعة والصورة الأصلية لهذه المعلومات عند تخزينها.
عمليات الذاكرة:
يتكون نموذج معالجة المعلومات بثلاث عمليات أساسية فيما يتصل بالتذكر، وتتضمن هذه العمليات المعالجات التي تجري عليها منذ استقبال المدخلات الحسية لها، ثم تحويلها إلى نبضات عصبية كهرومغناطيسية، لتخزينها، واستعادتها مرة أخرى عند الحاجة إليها في تنفيذ مختلف المهام. وفيما يلي عرض لهذه العمليات الثلاث: (الترميز، الاحتفاظ والاسترجاع).
الترميز:
" يعني عملية تحويل المدخلات الحسية إلى رموز أو صور يسهل الاحتفاظ بها في الذاكرة." ويتم ترميز المدخلات الحسية على شكل نبضات عصبية كهرومغناطيسية لكي تنتقل عبر الألياف العصبية إلى مختلف مناطق القشرة المخية، وتستقبل من جهاز الذاكرة فيه، وتمثل هذه الرموز المصادر الحسية للمنبهات تمثيلاً دقيقًا. وتوجد أكثر من صورة  للترميز منها:
       الترميز البصري: ويتضمن تمثيل الخصائص البصرية للمنبهات في شكل صور، مثل الشكل، واللون، والحجم، والموقع.
       الترميز السمعي: ويتضمن تمثيل الخصائص الصوتية للمنبهات في شكل أصداء صوتية، مثل التردد، والشدة، والنغمة.
       الترميز اللمسي: ويتضمن تمثيل الخصائص اللمسية المميزة للمنبهات، مثل الخشونة، والنعومة.
       الترميز الدلالي: ويتضمن تمثيل الكلمات في ضوء ما تدل عليه من معان.
       الترميز الحركي: ويتضمن تمثيل الأفعال الحركية من حيث طبيعتها، وتسلسلها، وكيفيـة تنفيذهــا.
التخزين او الاحتفاظ:
" هي عملية الاحتفاظ بالمعلومات التي تم ترميزها في الذاكرة، بصورة منظمة تيسر عملية استرجاعها عند الحاجة إليها." وتتأثر عملية التخزين بمدى تهيؤ الشخص واستعداده، وبالمجهود الذي يبذله في حفظ المادة التي يتعرض لها، وبكون المادة واضحة، وسهلة، ومفهومة، وبمعنى أدق ذات معنى.
الاسترجاع:
" بمعنى قدرة الشخص على استعادة المعلومات التي سبق له أن قام بترميزها، وتخزينها، على نحو يتطابق مع الشكل الأصلي لهذه المعلومات."

يتم التمييز بين أنظمة الذاكرة من خلال:
         السعة: وتتمثل في كمية المعلومات التي يستطيع النظام الاحتفاظ بها في لحظة من اللحظات.
         شكل التمثيلات: ويشير إلى طبيعة التحويلات التي تجري على المعلومات لتيسير عملية الاحتفاظ بها.
         مستوى التنشيط: ويشير إلى مدة الاحتفاظ بالمعلومات قيد المعالجة وارتباطها بالصور الذهنية.
انظمة التذكر:
الذاكرة الحسية:
تُعرف الذاكرة الحسية " باسم المخزن الحسي أو المسجل الحسي وتختص بنقل المعلومات في صيغـة خام غير معالجة نسبيًا لفتـرة قصيرة جدٍا من الزمن بعد اختفاء الصورة التي يكـون عليها المثيـر". وتستقبل هذه الذاكرة كمية كبيرة وغير محدودة من المدخلات الحسية، وتمتاز بالسرعة الكبيرة في نقل هذه المدخلات، إلا أن وقت احتفاظها بهذه المدخلات لا يزيد عن نصف ثانية.
 ويرجع هذا للأسباب التالية:
       عدم القدرة على الانتباه لجميع المدخلات الحسية.
       تجاهل الشخص للعديد من المدخلات الحسية لاعتقاده في عدم أهميتها.
       غموض بعض المدخلات الحسية، مما يعجل بتلاشيها دون استخلاص أي معنى منها.
       تعد هذه الذاكرة بمثابة محطة لنقل المدخلات الحسية إلى مراحل أخرى من المعالجة.  
الذاكرة قصيرة المدى:
تُعد هذه الذاكرة بمثابة المحطة الثانية للاحتفاظ بالمدخلات الحسية التي تم استقبالها من الذاكرة الحسية، وتستقبل المعلومات التي يتم الانتباه إليها فقط. وتشكل مستودعًا مؤقتًا للتخزين، يتم فيه الاحتفاظ بالمعلومات لوقت قصير جدًا لا يتجاوز نصف دقيقة. ويتم في هذه الذاكرة معالجة المدخلات الحسية بشكل يتيح استخلاص بعض المعاني.
الذاكرة طويلة المدى:
تشكل هذه الذاكرة المستودع الثالث في نظام معالجة المعلومات، وتستقر فيها المعلومات بصورتها النهائية بعد معالجتها وترميزها في الذاكرة قصيرة المدى، وتمتاز هذه الذاكرة بسعتها الهائلة على التخزين بعد تكرارها للمعلومات مرات عديدة، ولا تكون آثار هذه الذاكرة فعالة إلا إذا تدعمت وفقًا لقوانين التعلم، وتبقى الخبرات المخزنة فترة أطول قد تمتد إلى سنوات أو إلى آخر العمر وهي أكثر ميلاً لمقاومة الانطفاء.
أنواع الذاكرة طويلة المدى:
         ذاكرة المعاني: وتخزن فيها شبكات من المعاني التي ترتبط بالأفكار، والحقائق، والمفاهيم.
         ذاكرة الأحداث: وتُخزن فيها جميع المعلومات المرتبطة بمختلف الخبرات الشخصية التي مر بها الشخص خلال حياته. وتُسمى هذه الذاكرة بالذاكرة التسلسلية، لأن الأحداث تُرتب فيها ترتيبًا زمنيًا من الأقدم إلى الأحدث.
         الذاكرة الإجرائية: وتختص بتخزين المعرفة المرتبطة بكيفية تنفيذ الإجراءات والقيام بعمل ما، كالسباحة أو قيادة السيارة.



المبادئ النفسية للتذكر:
1-    يتوقف التذكر الفعال على التخزين الفعال للتعليم.
2-    ان تخزين واستدعاء التعليم ذو المعنى افضل من تخزين واستدعاء التعليم الذي لا معنى له.
3-    يتفاوت الناس كثيرا في قدراتهم على الحفظ والتذكر.
4-    يرتبط الحفظ والتذكر على الوقت واسلوب التعلم وطبيعة المادة المتعلمة.
5-    ان مراعاة شروط التعليم والتعلم الجيدين تيسر عمليات تعلم التذكر وتقلل من اخطار النسيان.
6-    ان التدريب على ما تم تعلمه والتكرار المنظم والموزع ينشط من عمليات الاحتفاظ والتذكر.   

العوامل التي تساعد على التذكر:
1.    العمر: يختلف الاشخاص في قدراتهم على التذكر تبعا لأعمارهم، فمدى الذاكرة يتقدم طبقا لنمو العمر، الا انه يتوقف عن الزيادة الى حوالي سن السادسة عشرة، كما ان مدى الذاكرة يتأخر بشكل واضح في الشيخوخة، وقد وجد ان قدرة  الكبار على تذكر الجمل والقطع النثرية اقل من قدرة الصغار، بسبب صعوبة قدرتهم على ربط المعلومات الجديدة مع المعلومات القديمة لديهم.
2.    الجنس: ثبت من التجارب العلمية ان الاناث يتفوقن على الذكور في تذكر المادة عديمة المعنى (المادة الصماء) بينما يتفوق الذكور على الاناث في الذاكرة المبنية على الفهم.
3.    الذكاء: هناك علاقة موجبة جزئية بين الذكاء والتذكر، فالأذكياء اقوى في القدرة على التذكر من الاشخاص الاقل ذكاءً، ولكن لا يعني ذلك ان كل شخص قوي الذاكرة يكون ذكياً او ان كل شخص ضعيف الذاكرة يكون غبياً.
4.    الصحة: فقد ثبتت ان الامراض المعدية الطويلة لها اثر على قدرة التذكر، وان الصحة العامة توثر على الذاكرة بشكل عام. 
5.    الدافع الشخصي: ان رغبة الفرد في تعلم المادة التعليمية تزيد من تذكرها، لهذا رأى المربون ربط الدراسة بحياة الاطفال وجعلها على شكل مشكلات تتعلق بحياتهم، وان ارتباط التعلم بحاجات المتعلم ومشاعره يزيد من التذكر وقد وجد ان الافراد يتذكرون الامور السارة بالنسبة لهم وينسون الامور المزعجة. 



الاستراتيجيات المساعدة على التذكر:
تشير استراتيجيات التذكر إلى " الأساليب أو الطرق التي يمكن استخدامها في تقوية وتعزيز عملية الاختزان أو الاستدعاء للمعلومات الموجودة في الذاكرة. " ويتضمن هذا التعريف جانبين من جوانب عمليات الذاكرة هما:
*حفظ وتخزين المعلومات.                    * تذكر واستدعاء المعلومات المخزنة .
أهم الاستراتيجيات المساعدة على التذكر:
·        إستراتيجية التسميع الذاتي:
ويُقصد بها "  التسميع العلني أو الصريح للمعلومات المراد الاحتفاظ بها." ويساعد هذا التسميع على تنظيم المادة المتعلمة، ويجعلها أكثر وضوحًا، ويضفي عليها معنى، الأمر الذي ييسر من عملية استرجاعها عند الحاجة إليها. وهذه الاستراتيجية سهلة التعلم وقابلة للتطبيق على مدى واسع من الأشخاص، فعلى سبيل المثال يسهل استخدامها مع التلاميذ العاديين وكذلك المتأخرين دراسيا، وأيضًا ذوي صعوبات التعلم.
·        إستراتيجية التنظيم أو التخزين:
تشير هذه الإستراتيجية الى " عملية تجميع أو تصنيف العناصر المتشابهة وفق تنظيم معين، يتمثل في تحديد نمط من العلاقات بين وحدات المعرفة المراد الاحتفاظ بها." فعلى سبيل المثال يمكن القول أن " الأسد، والضبع، والفهد، والأبل، الخراف، والأبقار" حيوانات، لكن " الأسد، والضبع، والفهد" حيوانات مفترسة، أما الأبل، والخراف، والأبقار" فإنها حيوانات عادية.
·        إستراتيجية التصور أوالتخيل:
ويقصد بها: " إنتاج صور عقلية مبتكرة ترتبط بالمادة المقروءة، مما يؤدي إلى تحسن في عملية تذكر هذه المادة." ويشير مفهوم التصور الذهني إلى حدوث تمثيل عقلي أو صورة ذهنية للشيء الذي سبق للمرء أن تعرض له، ولا يكون له وجود فعلي لحظة تصوره.
وتظهر أهمية هذه الاستراتيجية من أن الكلمات المادية والتي لها كيان ملموس يسهل تصورها مثل كلمتي (حصان أو شجرة)، ويكون تعلمها أسهل من تعلم الكلمات المجردة التي ليس لها ترميزات حسية ملموسة، مثل كلمتي (حقيقة او حرية)، وهذا نظرًا لأن الكلمات المحسوسة يتم تذكرها من وجهتين ككلمات أولا، ثم كصور ذهنية ثانيًا، بينما الكلمات المجردة يكون تمثيلها لفظي فقط.


·        استراتيجيات تنظيم مهام التعلم البسيطة:
 تُستخدم لتحويل المعلومات إلى صيغة أخرى أسهل فهمًا، كأن يستخدم المتعلم نظامًا أو أساسًا معينًا لتنظيم العناصر أو المعلومات غير المرتبة.
·        استراتيجيات تنظيم مهام التعلم المعقدة:
 وتتضمن تكوين خريطة معرفية للمعلومات توضح العلاقات فيما بينها، أو عمل تنظيم هرمي، أي تحديد النقطة الأساسية والنقاط التي تتفرع منها، أو رسم يوضح العلاقة السببية بين عدة متغيرات. وتتوقف كفاءة عملية التنظيم على العوامل التالية:
      قابلية المادة للتنظيم أو التصنيف أو الربط بين مكوناتها.
      مدى ألفة الشخص بالمادة.
      كيفية عرض المادة موضوع الحفظ والتذكر أو تنظيمها.
      النشاط الذاتي الذي يبذله الفرد في حفظها وتجهيــزها واسترجاعــها
الخطوات الإجرائية لتطبيق استراتيجية التنظيم :
-       إدراك الشخص لوجود علاقات بين مكونات المادة التي يتعلمها.
-       محاولة الشخص التوصل إلى المبدأ الذي يمكن في ضوئه تصنيف هذه المادة.
-       تكرار الشخص للعناصر المتضمنة في كل فئة مما يؤدي إلى حفظ القائمة كلها .

النسيــــــــــــــان
مفهوم النسيان:
عرّف النسيان بأنه فقد المادة المحفوظة في الذاكرة أو عدم القدرة على الاحتفاظ او التثبيت، ويُعرف أيضًا بأنه فقدان جزئي أو كلي مؤقت أو دائم، لما تم اكتسابه من ذكريات ومهارات، وبلغة أخرى: هو عجز في الاسترجاع أو التعرف على خبرة تم تعلمها في زمن ماض. وتقاس قيمة المادة المفقودة بالمعادلة التالية: 
(كمية المادة المكتسبة – كمية المادة المسترجعة = النسيان)
يواجه كل فرد منا مناسبات يفشل في استرجاع بعض المعلومات، ثم عندما تتغير الظروف بعد ذلك يتذكر تلك المعلومات مرة اخرى بشكل تلقائي بطريقة او بأخرى، واذا كان النسيان في معظم الاحيان ظاهرة مؤقتة اكثر منها ظاهرة دائمة، لذا فقد ادعى بعض علماء النفس ان النسيان لا يفقد شئ ما، بل انه اشبه بعدم القدرة على العثور على ذلك الشي.
 فالنسيان يظهر بسبب فشل معين قد يطرأ على الميكانيزمات المسؤولة عن عمليات التذكر. وغالبا ما تفشل هذه الميكانيزمات لعدم توفر المؤشرات اللازمة لنجاحها. وان النسيان ليس بالعملية السلبية التي تحصل مع مرور الزمن، حيث ان الافراد يميلون الى نسيان الاشياء الغير سارة وتذكر الاحداث الايجابية، كما ان المادة المحفوظة تتناقص كلما مر الزمن خاصة عند عدم استرجاعها.

النظريات المفسرة للنسيان
توجد أكثر من نظرية لتفسير النسيان، منها ما يلي:
نظرية تغير الأثر:
فسرت نظرية الجشطالت ظاهرة النسيان في ضوء قوانين التنظيم الإدراكي، التي غالبا ما تظهر في مبادئ الإغلاق، والاتساق، والتشابه، والتقارب، والشكل الجيد. حيث يميل الأشخاص بصفة دائمة لإعادة تنظيم خبراتهم الإدراكية لتبدو أكثر اتساقًا واكتمالاً. ويُفترض إن عملية إعادة التنظيم هذه، يترتب عليها فقدان لأجزاء من المادة المتعلمة، أو النسيان أو تغير الأثر. ونظرية تغير الأثر تتضمن اختفاء المعلومات المخزونة من الذاكرة بسبب عملية أو أكثر من العمليات الفسيولوجية.
نظرية التداخل:
وتفسر هذه النظرية النسيان في ضوء التداخل بين كل من الخبرات المخزنة في الذاكرة والخبرات الجديدة التي يتم تعلمها. ويوجد شكلان من التداخل، هما:
       الكف الرجعي: ويشير إلى كف المعلومات الجديدة للمعلومات المخزنة في الذاكرة. مثلا على ذلك:" لو اخذنا بعد دراسة مادة معينة قسطين من الراحة، قسطاً اول نتأمل فيه ما درسناه وقسطاً ثانيا نترك فيه قوانا العقلية في راحة تامة، فان هذا سيساعد على تثبيت المادة المدروسة، في حين اننا لو شرعنا بعد دراسة المادة الاولى في دراسة مادة ثانية، فان المادة الثانية من شأنها ان تحدث تأثيراً رجعياً في المادة الاولى وتجعل مستوى النسيان فيها يزداد بسرعة".
       الكف القبلي: ويشير إلى كف المعلومات القديمة للمعلومات الجديدة. وهذا يعني تداخل تعلم سابق وتأثره على استدعاء تعلم لاحق، فان قامت مجموعة من الافراد بتعلم مجموعة من الكلمات (القائمة أ) ثم قاموا بعد ذلك بتعلم قائمة مماثلة (القائمة ب) فان الاستدعاء المباشر للقائمة (ب) يكون اقل مما لو انهم لم يتعلموا القائمة (أ)، وهذا النقص في مستوى الاستدعاء يقال انه بسبب تداخل او تأثير القائمة (أ) على القائمة (ب).

نظرية الاستعمال والإهمال:
قدم هذه النظرية ثورانديك، وتشير إلى تقوية المعلومات المتعلمة من خلال تكرار استخدامها، وفقدان المعلومات المتعلمة نتيجة لإهمالها أو عدم استخدامها، ونتيجة لهذا تتعرض هذه المعلومات للتلاشي التدريجي إلى أن يتم نسيانها.

نظرية الفشل في الاسترجاع:
تشير إلى أن النسيان يحدث نتيجة لإخفاق الفرد في استرجاع الخبرة التي تم اختزانها في الذاكرة، نتيجة لتأثير بعض العوامل، مثل: سوء التنظيم أثناء التخزين، خفض الحافز، والدافعية غير المناسبة، أو أي عامل آخر يمنع الفرد من استرجاع ما قام بتخزينه، وقد ثبت أنّ تغيير الظروف يمكن أن يساعد على تذكر ما قد أعيق.

العوامل التي تساعد على النسيان:
1-    العوامل الجسمية او نفسية: مثل التعب، الارهاق، المرض، القلق او الخوف.
2-    التعلم الناقص او الغير مكتمل.
3-    الانشغال في عدة نشاطات في وقت واحد.
4-    الميل الى تذكر الامور السارة اكثر من المؤلمة.
5-    الاحداث الضعيفة.
6-    الاعتماد على حاسة واحدة في عملية الحفظ.

7-    عدم ربط المدركات بموضوعات حاضرة بالذهن.





الاثنين، 14 ديسمبر 2015

د. لؤي زعول / ابو بكر ابن الطفيل / نصوص نفسية عند علماء المسلمين

جامعة الخليل
           د. لؤي زعول                                            نصوص نفسية عند علماء المسلمين
   (دكتوراه بعلم النفس الاجتماعي والعملي)
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
ابن طفيل (1100م -1185م )
حياته: 
·        هو أبو بكر محمد بن عبد الملك بن محمد بن محمد بن طفيل القيسي الأندلسي
·        عربي من بني قيس عيلان بن مضر، وينسب أيضاً فيقال: الأندلسي والقرطبي والإشبيلي ويكنّى بأبي جعفر.
·        هو فيلسوف ومفكراً وفيزيائي وقاض أندلسي وطبيباً وفلكياً ومن تلاميذه ابن باجه وابن رشد.
·         ولد في وادي آشن، على مسافة 53 كم في الشمال الشرقي من قرطبة، ثم تعلم الطب في غرناطة وخدم حاكمها.
·        كان حريصا على الجمع بين الشريعة  والحكمة.
·        انتقده طالبه ابن رشد في رأي التوحيد بين العقل الهولاني والقوة المتخيلة، في حين انتقد ابن الطفيل، ابن باجة في حبه للمال وانشغاله بالدنيا، مع الاشادة بفضله الكبير في موضوع اخرى، كما ابن الطفيل الفارابي بصفه انه كثير الشكوك والاضطراب في ارائه.
·        كما اشاد بالغزالي الذي اعتبره من الذين وصلو الى السعادة القصوى والمواصيل الشريفة.
·        توفي في مدينة مراكش، ودفن هناك، واشترك السلطان أبو يوسف في تشييع جنازته.

مؤلفاته:
له العديد من المؤلفات واسهاماته منها في الطب والفلك والنفس والفلسفة غير انه لم يصلنا منها الا القليل، كما ذكر ابن أبي أصيبعة أنه كان بين ابن الطفيل وابن رشد مراجعات ومباحث في "رسم الدواء" جمعها ابن رشد في كتابه "الكليات"، كما كانت لابن طفيل أرجوزة في الطب تتألف من 7700 بيت. ويقال إن ابن طفيل كانت له آراء مبتكرة في الفلك ونظريات في تركيب الأجرام السماوية وحركاتها.
يقول الباحث ليون غوتيه في كتابه عن ابن طفيل : على الرغم من عدم وجود أي شيء مكتوب عن الفلك، باستثناء بعض الفقرات القصيرة في كتاب حي ابن يقظان، فإننا نعرف أن ابن طفيل لم يكن راضياً عن النظام الفلكي الذي وضعه بطليموس، وأنه فكر في نظام جديد. واستشهد الكاتب على ذلك بما كتبه كل من ابن رشد والبطروجي. فابن رشد في شرحه الأوسط لِـ "الآثار العلوية" لأرسطو، انتقد بدوره فرضيات بطليموس عن تكوين الأفلاك وحركاتها، وقال إن ابن طفيل يتوفر في هذا المجال على نظريات رائعة يمكن الاستفادة منها كثيراً. كما أن البطروجي في مقدمة كتابه الشهير عن الفلك، ذكر أن ابن طفيل أوجد نظاماً فلكياً ومبادئ لحركاته، غير تلك المبادئ التي وضعها بطليموس. ويتساءل الباحث الفرنسي عن احتمال أن تكون فرضيات ابن طفيل تشتمل على بعض العناصر الأساس من الإصلاح الفلكي العظيم الذي جاء به كوبرنيك وجاليلي بعد أربعة قرون.
لم يصلنا من مؤلفاته الا القليل وقصة "حي بن يقظان" وهي قصة فلسفية صوفية ترجمة الى العديد من اللغات منها واللاتينية والاسبانية و الفرنسية وغيرها وهذا دليل علة قوة وقدرة ابن الطفيل العلمية.

ملخص قصة حي بن يقظان:
اسطورة عربية تحكي قصة طفل وليد، وضعته أمه في تابوت وقذفت به في البحر، خوفاً من بطش ملك الجزيرة التي تعيش فيها، فقذفته الامواج الى شاطئ جزيرة منعزلة عن المجتمع الانساني، ولا يعيش فيها احد من البشر، فحنت على الوليد ظبية، فقامت بإرضاعه وتولت أمر تربيته، نشأ حي بن يقظان وحيداً في جزيرة، وتعلم كثيرا من الامور المعينة على الحياة، فتعلم صناهة الكساء والبناء وصناعة الرماح واستخدام النار وعلاقته مع المحيط وتدبير امره،،، الخ، وبهذه القصة عرض ابن الطفيل مذهبه الفلسفي الذي اشتهر به، وقد سبقه بذلك وتشابه معه الفيلسوف ابن سينا الذي تحدث ايضا عن قصة حي بن يقظان، التي تحكي قصة رجل شيخ مهيب خرج سائحاً من بيت المقدس ليشاهد عجائب صنع الله عز وجل، ويرمز حي بن يقظان الى العقل الفاعل الذي يهدي الانسان الى معرفة الحقائق العقلية العليا والأفلاك السماوية، التي يصل اليها الانسان عبر المعرفة العقلية وهو العقل الفاعل.

النفس:
ان النفس في الحيوان والإنسان عند ابن الطفيل، وهي روح حيواني مركزه الاساسي في القلب، وهو سبب حياة الحيوان والإنسان وأفعالهما المختلفة، وينبعث الروح الحيواني عن طريق الاعصاب من القلب الى الدماغ، ومن الدماغ الى جميع أعضاء الجسم، وهو الذي به تتم جميع افعال اعضاء الجسم. ومع ان اعضاء الانسان المختلفة يقوم كل منها بفعل خاص مختلف عن غيره، إلا ان أفعالعا جميعاً تصدر عن روح واحد، وهي حقيقة الذات، وسائر الاعضاء كلها كالالات.

النفس النباتية:
لها وظائف تشترك فيها جميع انواع النباتات، سواء بالتعذي او النمو.

القوة الحيوانية :
تقوم النفس الحيوانية على الافعال الخاصة بالنفس النباتية، وهي الاغتذاء والنمو، وتزيد عليها افعال الحس والادراك والحركة الارادية.

القوة الحاسة:
 يدركها كل من الانسان والحيوان وهي الحواس خمس:
-       السمع وهي التي يدرك بها المسموعات.
-       البصر التي يدرك بها الالوان.
-       الشم هي التي يدرك بها الروائح.
-       اللمس وهي التي يدرك بها الصلابة واللين.
-       الذوق وهي التي يدرك بها الطعوم.

القوة الخيالية:
هي القوة التي يستطيع بها الانسان استحضار صور المحسوسات بعد غيابها عن الحواس.

القوة النزوعية:
النزوع: هي الدافعية التي توجة الانسان نحو سد حاجاته البدنية مما تدعو اليه الضرورة في بقائه. وهذه امران (احدهما ما يمده من الداخل، ويخلف علية بدل ما يتحلل منه، وهو الغذاء والاخر: ما يقيه من خارج، ويدفع عنه وجوه الاذى من البرد والحر والمطر ولفح الشمس والحيوانات المؤذية نحو ذلك) اي القيام بإشباع هذه الحاجات لحفظ حياته وبقاء نوعه.

النفس الناطقة:
هي النفس التي يتميز بها الانسان عن الحيوان، وهي القوة التي تتصفح أشخاص الموجودات المحسوسة وتقتنص منها المعنى الكلي، وهي القوة الناطقة التي يدرك بها الانسان وجود الخالق لهذا العالم البديع الصنع، وهذه القوة ( امر رباني الهي لا يستحيل ولا يلحقه الفساد، ولا يوصف بشيء مما نوصف به الاجسام، ولا يدرك بشيء من الحواس، ولا يتخيل، ولا يتوصل الى معرفة بالة سواه، بل يتوصل اليه به،  فهو العارف والمعروف،  ومن العالم والمعلوم والعلم).

نظرية المعرفة:
يتضح لنا من قصة حي ابن يقظان لابن الطفيل ان للمعرفة طريقين:
1-   طريق صاعد: من الحس والمشاهدة والتجربة، متدرجة الى البحث والنظر العقلي القائم على الاستنتاج والاستنباط، حتى ينتهي الى معرفة وجوب الوجود، الله سبحانه وتعالى خالق الكون، وكل ما فيه من موجودات، وهي حسب ابن الطفيل الخطوة الاولى للمعرفة، لكنها ليست كافيه لحدوث الاشراق ومشاهدة الحق جل جلاله.
2-  طريق التصوف: وهو طريق هابط تفيض فيه المعرفة من الله سبحانه وتعالى على الانبياء ورسله والاولياء الصالحين، وهي التي تكمل الاولى للوصول الى المعرفة عن طرق الكشف الصوفي، او عن طريق الوحي.
وقد بدأ ابن يقظان في سلوك هذا الطريق بالرياضة الروحية ملزما نفسه بالاستمرار بالتفكير في واجب الوجود مجردا نفسه من كل المحسوسات والقوة الجسملنية المختلفة، حتى توصل الى الواحد الحق والموجود الثابت بقوله ( لمن الملك اليوم؟ لله الواحد القهار!) ففهم كلامه وسمع نداءه ولم يمنعه عن فهمه كونه لا يعرف الكلام ولا يتكلم.

السعادة:
ان السعادة العظمى عند ابن طفيل هي في مشاهدة واجب الوجود، خالق الموجودات، الله سبحانه وتعالى، وان الطريق الذي يسلكه الانسان لاستمرار السعادة هي دوام المشاهدة، عبر الالتزام بالتفكير في الوجود، والابتعاد عن جميع المحسوسات التي تأثر على الانسان بسبب الجوع والعطش وابرد والحر التي تحجب المشاهدة، وتقوي النفس الدنيوية. واذا سعدت النفس الانسانية باتصالها بالله في الدنيا ثم فارقت البدن وهي على هذا الاتصال استمرت في سعادة دائما، أما من وافته المنية وهو محروم من مشاهدة الله تعالى بقي في عذاب وآلام دائم.






__________________________________________________________

ملخص من المرجع المقرر للمساق:
 نجاتي، محمد عثمان، الدراسات النفسية عند علماء المسلمين، ط1، بيروت: دار الشروق 1993.


الأحد، 13 ديسمبر 2015

د. لؤي زعول / محاضرات احمد ابن تيمية نصوص نفسية جامعة الخليل


جامعة الخليل
           د. لؤي زعول                                        نصوص نفسية عند علماء المسلمين
   (دكتوراه بعلم النفس الاجتماعي والعملي)
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
 محاضرات
احمد ابن تيمية (661ه- 728ه)
حياته:
·       هو احمد تقي الدين بن تيمية الملقب بشيخ الاسلام.
·        وهو سليل اسرة كريمة اشتهرت بالعلم والدين.
·        ولد بحران وعاش فيها بضع سنين ثم انتقل مع اسرته الى دمشق سنة 667 ه عندما اغار التتار على حران.
·        درس اصول الفقه والحديث وعلوم العربية، والتفسير، واصول الدين، المنطق، والتصوف، والفلسفة، وكان يحضر رغم صغر سنه مجالس التدريس عند والده المشتغل بالتدريس وغيره من العلماء.
·        اشتهر ابن تيمية بسرعه الحفظ وقوة الذاكرة، وشهد له بذلك اساتذته وتلاميذه.
·        ولم يكتف ابن تيمية بحث الناس والسلطان وتحريضهم على محاربة التتار، بل اشترك هو نفسه في حربهم في واقعة "شقجب" التي انتصر فيها المسلمون انتصارا عظيماً.
·       كان يرى ابن تيمية مثل ابن حزم الاندلسي ان مصدر كل حقيقة دينية هو القران والحديث"
·       تم سجن ابن تيمية اكثر من مرة بسبب رأيه الفقهي وتزايد شهرته التي اثارت خصومه، فاخذوا يكيدون له لدى السلطان، توفي في السجن سنة، ومن بين فتواه بان السفر لأضرحة الاولياء غير مشروع بسبب قول الرسول صلى الله عليه وسلم "لا تشد الرحال الا الى ثلاثة مساجد: المسجد الحرام والاقصى ومسجدي هذا"

مؤلفاته:
لابن تيمية مؤلفات كثيرة، تزيد عن 500 مؤلف، يهمنا منها ما تناول علم النفس وهي:
1-  رسالة في العقل والروح          2- العبودية
3-  فصل في مرض القلوب وشفائها / مجلد علم السلوك.

النفس والروح والعقل:
يذهب ابن تيميه الى ان النفس ليست مركبة من الجواهر المفردة، ولا من المادة والصورة، وهي ليست جسماً، وانها قائمة بنفسها تبقى بعد فراق البدن بالموت.
ويرى ابن تيمية ان لفظ "الروح" يستخدم ايضا بمعنى النفس. يقول:" والروح المدبرة للبدن التي تفارقه بالموت هي الروح المنفوخة فيه، وهي النفس التي تفارقه بالموت.
ويذكر ابن تيمي ان للفظ الروح والنفس عدة معان:
1-  فيراد بالروح الهواء الخارج من البدن والهواء الداخل فيه.
2-  ويراد بالروح البخار الخارج من تجويف القلب والساري في العروق، وهو الذي يسميه الاطباء الروح الحيواني.
3- ويراد "بنفس" الشئ ذاته وعينه، كما في قوله تعالى: (كتب ربكم على نفسه الرحمة)
4- ويراد بالنفس الدم الذي يكون في الحيوان، كقول الفقهاء :"ماله نفس سائلة، وما ليس له نفس سائلة"
5- ويراد بالنفس ايضا صفاتها المذمومة، او النفس المتبعة لهواها.
ويقول ابن تيمية ان لفظى النفس والعقل عند الفلاسفة انما يدلان على شيء واحد، فهم يستخدمون لفظ النفس من حيث هي مدبرة للبدن، "فاذا فارقت سموها عقلا لان العقل عندهم هو المجرد عن المادة وعن علائق المادة، واما النفس فهي المتعلقة بالبدن تعلق التدبير والتصريف".
ان العقل عند ابن تيمية ليس شيئا بذاته، وانما هو قائم في العاقل، يقول:"العقل في كتاب الله وسنة رسوله وكلام الصحابة والتابعين وسائر أئمة المسلمين وهو امر يقوم بالعاقل، سواء سمي عرضا او صفة، ليس هو عيناً قائمة بنفسها، سواء سمي جوهرا او جسما، وانما يوجد التعبير باسم العقل عن الذات العاقلة التي هي جوهر قائم بنفسه.
ويقول ابن تيمية ايضا:" ثم من الناس من يقول: العقل هو علوم ضرورية ، ومنهم من يقول العقل هو العمل بموجب تلك العلوم، والصحيح ان اسم العقل يتناول هذا وهذا.

اما فيما يتعلق اين مسكن النفس، او الروح من الجسد، يقول ابن تيمية :"فلا اختصاص للروح بشيء من الجسد،  بل هي سارية في الجسد كما تسري الحياة التي هي عرض في جميع الجسد، فان الحياة مشروطة بالروح،  فاذا الروح في الجسد كان فيه حياة، واذا فارقته الروح فارقته الحياة"
وفيما يتعلق اين مسكن العقل فيه، فيقول ابن تيمية: "فالعقل قائم بنفس الانسان التي تعقل، واما البدن فهو متعلق بقلبه كما قال الله تعالى: (افلم يسيروا في الارض فتكون لهم قلوب يعقلون بها..) وقيل لابن عباس : بماذا نلت العلم ؟ قال: "بلسان سؤول وقلب عقول".

قوى النفس واحوالها:
يذكر ابن تيمية تقسيم الفلاسفة للنفس الى نفس نباتية محلها الكبد، وحيوانيه محلها القلب، وناطقة محلها الدماغ، ويقول: "ان ارادوا به انها ثلاثة قوى تتعلق بهذه الاعضاء فهذا مسلم، وان ارادوا انها ثلاثة اعيان قائمة بأنفسها فهذا غلط بين"

ويذكر ابن تيمية ايضا انه يقال: ان" النفوس ثلاثة انواع:
1- النفس الامارة بالسوء: التي يغلب عليها اتباع هواها بفعل الذنوب والمعاصي.
2-  النفس اللوامة: وهي التي تذنب وتتوب وتتردد بين الخير والشر فسميت لوامة.
3- النفس المطمئنة: هي التي تحب الخير والحسنات وتريده، وتبغض الشر وتكره.

حاجات الانسان ودوافعه:
اعتبر ابن تيميه ان حاجات الانسان نوعان:
1-  نوع ضروري يحتاج اليه الانسان لبقائه: مثل حاجاته الى طعامه وشرابه ومسكنه (الدوافع الفسيولوجية).
2- نوع ما لا يحتاج اليه الانسان لبقائه: ومثل الحاجات لا ينبغي ان يعلق الانسان بها قلبه، لانه ان فعل ذلك صار مستعبدا لها، كما يسميها علماء النفس المحدثون الدوافع الثانوية.

الناحية الوجدانية المصاحبة للإدراك:
من المعروف ان الادراك تصاحبه حالة وجدانية، فاذا ادركنا شيئا نحبه شعرنا بالسرور والرضا، واذا ادركنا شيئا نكرهه شعرنا بالنفور والكراهية، وقد تناول ابن تيمية هذه الناحية الوجدانية المصاحبة للإدراك اثناء تحليله لحلاوة الايمان، ويذكر ابن تيمية حديث الرسول صلى الله عليه وسلم القائل:" ثلاث من كن فيه وجد حلاوة الايمان، ومن كان الله ورسوله احب اليه مما سواهما، ومن كان يحب المرء لا يحبه الا لله، ومن كان يكره ان رجع الى الكفر يعد اذ انقذه الله منه كما يكره ان يلقى في النار"
 ثم يقول ابن تيمية تعلقا على هذا الحديث:" اخبر النبي صلى الله عليه وسلم، ان من كان فيه هذه الثلاث وجد حلاوة الايمان لان وجد الحلاوة بالشيء يتبع المحبة له فمن احب شيئا او اشتهاه اذا حصل مراده فانه يجد الحلاوة واللذة والسرور بذلك واللذة امر يحصل عقب ادراك الملائم الذي هو المحبوب او ألمشتهى، وينتقد ابن تيمية الفلاسفة الذين يقولون : ان اللذة هي ادراك الملائم فهو يرى ان اللذة ليست هي ادراك الملائم وانما هي تحدث عقب ادراك الملائم يقول ابن تيمية:" ومن قال ان اللذة ادراك الملائم، كما يقوله من المتفلسفة والاطباء فقط غلط في ذلك غلظا بينا فان الادراك يتوسط بين المحبة واللذة فان الانسان مثلا يشتهي الطعام، فاذا اكله حصل له عقب ذلك اللذة، فاللذة تتبع النظر الى الشيء، فاذا نظر اليه التذ به، واللذة التي تتبع النظر ليست نفس النظر وليست هي رؤية الشيء، بل هي تحصل عقب رؤيته وهكذا جميع ما يحصل للنفس من اللذات والالام: من فرح وحزن ونحو ذلك يحصل بالشعور بالمحبوب او الشعور بالمكروه وليس نفس الشعور هو الفرح ولا الحزن"

انفعال الحب وعلاقته بالدافعية:
تناول ابن تيمية الحياة الانفعالية في الانسان وبخاصة انفعال الحب الذي يجب ان يكون لله تعال ورسوله، اذ ان حبهما هو اسمى انواع الحب الانساني، ويجب ان يكون اقوى واعلى من حب اي شيء اخر بل ان الانسان اذا احب انسانا او شيئا ما فيجب ان يكون حبه له في الله، واذا كره انسانا ما او شيئا ما فيجب ان يكون كرهه له في الله".
ويرى ابن تيمه ان الانسان اذا ذاق لذة حب الله ورسوله وعبادته انصرف قلبه بهذا الحب الصالح عن كل انواع الحب الأخرى وذاق حلاوة العبودية فأنه يقوي قلبه عبره، ويحميه من الانحرافات النفسية ويكن علاجا لها.

السلوك الظاهر والسلوك المستتر:
يعرف ابن تيمية العبادة انها اسم جامع لكل ما يحبه الله تعالى ويرضاه من الاقوال والاعمال الباطنه والظاهرة، وفي هذا القول اشارة واضحة الى تحليل السلوك الى سلوك باطن وسلوك ظاهر، فالسلوك الباطن هو ما يضمره الانسان من عقائد وآراء ومشاعر واحاسيس والسلوك الظاهر هو ما يقوم به الانسان من اعمال وما يصدر عنه من اقوال، ويقرب ابن تيمية في ذلك ما يقوله علماء النفس المحدثون من تحليل السلوك الانساني الى ظاهر ومستتر، وفي رأي ابن تيمية ان العبادة الحقة تشمل كلا من السلوكين: الظاهر والباطن، بحيث يكون هناك اتفاق تام بين هذين النوعين من السلوك وبين اوامر وما يحبه الله تعالى ويرضاه.

السعادة والأمن النفسي:
يرى ان سعادة الانسان وامنه النفسي لا يتحققان بالفعل الا بعبوديته التامة لله تعالى وحبه له يقول ابن تيمية:" فالقلب لا يصلح ولا يفلح ولا ينعم ولا يسر ولا يلتذ ولا يطيب ولا يسكن ولا يطمئن، الا بعبادة ربه وحبه والانابه، ولو حصل له كا ما يلتذ به من المخلوقات، لم يطمئن ولم يسكن اذ فيه فقر ذاتي الى ربه من حيث هو معبوده ومحبوبه ومطلوبه، وبذلك يحصل له الفرح والسرور واللذة  والنعمة والسكون والطمأنينة"

الكمال الانساني:
يرى ابن تيمية ان عبودية الانسان لله تعالى وحبه له لا يحققان له السعادة والامن النفسي فحسب بل انهما يحققان له ايضا بلوغ اقصى الكمال الإنساني يقول:" اكمل الخلق وافضلهم واغلاهم واقربهم الى الله وأقواهم وأهداهم: "اتمهم عبودية لله"
ان كمال الانسان اذن وسعادته في الدنيا والآخرة انما يتحققان في راي ابن تيمية بتحقيق العبودية لله تعالى وان العبودية لله تعالى هي الغاية من خلق الله تعالى للإنسان.

امراض القلوب وشفاؤها:
يقول ابن تيميه: ان مرض القلب الم يحصل في القلب اي في النفس، وان لمرض القلب نوعان: فساد الحس وفساد الحركه الطبيعيه، وما يتصل بها من الإرادة وكل منهما يحصل بفقده الم وعذاب، فكما انه مع صحة الحس والحركة الارادية الطبيعيه تحصل اللذة والنعمة، فكذلك في فسادهما يحصل الالم والعذاب، فهناك اذا ثلاث صفات يتميز بها مرض النفس في راي ابن تيميه هي:
1-  فساد اي اضطراب في الحس والتصور: اي في الادراك.
2-  فساد في الحركة الطبيعية الارادية: اي في السلوك.
3-  الم وعذاب يحصل في النفس.
 وهذه الصفات الثلاث التي يذكرها ابن تيميه للمرض النفسي تتفق تمام الاتفاق مع ما وصل اليه علم الطب النفساني الحديث، في وصف السلوك المضطرب بثلاث صفات رئيسيه: هي الادراك المختل للواقع والسلوك غير الملائم والشعور بالتعاسة، وبذلك سبق ابن تيميه علماء الطب النفساني الحديث بحوالي سته قرون في تحليل المرض النفساني وتحديد صفاته الذي يتميز بها.

 وعلاج مرض النفس حسب ابن تيميه بالدين الشرعي الذي يؤدي الى ازاله الشبهات والتغلب على الشهوات، ويذكرنا قول ابن تيميه بان المرض يزول بضده بالغزالي الذي اتبع هذا الاسلوب في علاج العادات والاخلاق السيئة، كما بينا ذلك من قبل، اثناء كلامنا عن الغزالي، وبينا انه سبق بذلك المعالجين النفسانيين السلوكيين المحدثين، فقد ذكر ابن تيميه نفس هذا الاسلوب في علاج المرض النفساني، ويبدو انه تأثر براي الغزالي في هذا الموضوع.
 ولا يهتم ابن تيميه في علاج الامراض النفسانيه فحسب بل هو يهتم ايضا بالوقاية، منها قبل حدوثها، يقول: وكما ان الواجب الاحتماء عن سبب المرض قبل حصوله وازالته بعد حصوله.

نماذج من الامراض النفسيه وعلاجها:
الحسد:
الحسد مرض نفساني وهو البغض والكراهه لما يراه الحاسد من حسن حال المحسود، وهذا الحسد نوعان احدهما:
1- هو كراهة النعمة على المحسود مطلقاً: ويتألم الحاسد ويتأذى بوجود النعمة على الحسود ويلتذ بزوالها عنه، وهذا هو الحسد المذموم.
2- هو ان يكره الحاسد فضل المحسود عليه: فيجب ان يكون مثله او افضل منه وهذا ما يسمى بالغبطه.
 وقد سمي ذلك حسداً لان مبدأه هو كراهه ان يكون غيره افضل منه، اما من احب ان ينعم الله تعالى عليه مع عدم التفاته لأحوال الناس، فهذا ليس عنده من الحسد شيء، فيرى ابن تيميه ان غالب الناس يبتلون بهذا النوع من الحسد وقد يسمى هذا النوع ايضا منافسه والتنافس ليس مذموماً، بل هو محمود في الخير، قال تعالى: (ان الابرار لفي نعيم على الارائك ينظرون تعرف في وجوههم نظرة النعيم يسقون من رحيق مختوم ختامه مسك وفي ذلك فل يتنافس المتنافسون). ويقول ابن تيميه في علاج الحسد (فمن وجد في نفسه حسدا لغيره فعليه ان يستعمل معه التقوى والصبر فيكره ذلك في نفسه وينهي نفسه عنه).

العشــــــــــــــق:
العشق مرض نفساني وهو المحبه المفرطة الزائدة عن الحد المحمود، واذا قوى أثر في البدن فصار مرضا في الجسم، إما من امراض الدماغ كالماليخوليا، ولذلك قيل فيه هذا مرض وسواسي وشبيه بالماليخوليا، وإما من امراض البدن كالضعف والنحول.
ومريض البدن قد يشتهي ما يضره، فاذا لم يطعم ذلك تألم واذا اطعم ذلك زاد مرضه، (فكذلك العاشق يضره اتصاله بالمعشوق مشاهدة وملامسة وسماعاً، بل ويضره التفكير فيه والتخيل له، وهو يشتهي ذلك فان منع من مشتهاه تالم وتعذب وان اعطي مشتهاه قوي مرضه وكان سببا لزياده الالم).
 ويقول ابن تيميه ان ( القلب انما خلق لأجل حب الله تعالى وهذه هي الفطرة التي فطر الله عليها عباده) فالله سبحانه فطر عباده على محبته وعبادته وحده، فاذا تركت الفطرة بلا فساد، كان القلب عارفا بالله عابداً له وحده، ويرى ابن تيمية ان حب الله وحده وإخلاص الدين له يقي القلب من حب احد غيره، فضلا عن الابتلاء بالعشق.
 والقلب المحب لله تعالى المنيب اليه الخائف منه، يصرفه عن العشق أمران:
احدهما: انابته الى الله ومحبته له، والتذاذه الشديد بذلك فلا تبقى مع محبه الله محبه لمخلوق تزاحمه
الثاني: خوفه من الله فان الخوف الشديد من الله مضاد للعشق يصرفه.
وبرى ابن تيميه ان كل من احب شيء سواء بعشق او بغير عشق فانه يمكن علاجه من هذه المحبة بأمرين:
1.   احدهم بمحبة ماهو احب اليه منه فتزاحمه وتصرفه
2.    والأخر هو بخوف حصول ضرر يكون ابغض اليه من ترك ذلك الحب (فاذا كان الله احب الى العبد من كل شئ واخوف عنده من كل شئ، لم يحصل معه عشق ولا مزاحمه، إلا عند غفلة او عند ضعف هذا الحب والخوف).

 استخدم ابن تيمية في علاج العشق اسلوب العلاج بالضد وهو الخوف من الله تعالى فالخوف هو ضد الحب، وعالج الحسد بالتقوى وكراهية الحاسد ذلك في نفسه وتقوى الله تعالى وكراهية الحسد انما يحدثان حالة نفسيه مضادة للحسد وتعمل على مقاومته، فعلاج اساس الامراض النفسانية عند ابن تيمية هو اذاً العلاج بالضد كما فعل ابن جزم والغزالي من قبل.















________________________________________________________________

ملخص من المرجع المقرر للمساق:
 نجاتي، محمد عثمان، الدراسات النفسية عند علماء المسلمين، ط1، بيروت: دار الشروق 1993.